أبو البركات بن الأنباري
126
الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين
17 مسألة [ القول في تقديم خبر « ما زال » وأخواتها عليهن ] « 1 » ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز تقديم خبر « ما زال » عليها ، وما كان في معناها من أخواتها ، وإليه ذهب أبو الحسن بن كيسان ، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز ذلك ، وإليه ذهب أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء من [ 71 ] الكوفيين ، وأجمعوا على أنه لا يجوز تقديم خبر « ما دام » عليها . أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا : إنما قلنا ذلك لأن « ما زال » ليس بنفي للفعل ، وإنما هو نفي لمفارقة الفعل ، وبيان أن الفاعل حاله في الفعل متطاولة ، والذي يدل على أنه ليس بنفي أنّ « زال » فيه معنى النفي ، و « ما » للنفي ، فلما دخل النفي على النفي صار إيجابا ، والذي يدل على أن النفي إذا دخل على النفي صار إيجابا أنك إذا قلت « انتفى الشيء » كان ضدا للإثبات ، فإذا أدخلت عليه النفي نحو « ما انتفى » صار موجبا ؛ فدل على أن نفي النفي إيجاب ، وإذا كان كذلك صار « ما زال » بمنزلة « كان » في أنه إيجاب ، وكما أن « كان » يجوز تقديم خبرها عليها نفسها ، فكذلك « ما زال » ينبغي أن يجوز تقديم خبرها عليها ، ولذلك لم يقولوا « ما زال زيد إلا قائما » كما لم يقولوا « كان زيد إلا قائما » لأن « إلا » إنما يؤتى بها لنقض النفي ، كقولك « ما مررت إلا بزيد ، وما ضربت إلا زيدا » نفيت المرور والضرب أولا ، وأدخلت « إلا » فأثبتهما لزيد ، وأبطلت النفي ونقضته ، ولهذا إذا قلتم إنها إذا دخلت على « ما » التي ترفع الاسم وتنصب الخبر أبطلت عملها ؛ لأنها إنما عملت لشبهها بليس في أنها تنفي الحال ، كما أن ليس تنفي الحال ؛ فإذا دخلت « إلا » عليها أبطلت معنى النفي ، فزال شبهها بليس ، فبطل عملها ؛ فإذا كان الكلام ثابتا فلا يفتقر إلى إثباته ؛ ألا ترى أنك لو قلت « مررت إلا بأحد » لم يجز ؛ لأن إثبات الثابت
--> ( 1 ) انظر في هذه المسألة : أسرار العربية للمؤلف ( ص 57 ) وشرح الأشموني ( 1 / 352 بتحقيقنا ) وحاشية الصبان ( 1 / 224 ) والتصريح للشيخ خالد ( 1 / 236 بولاق ) وشرح موفق الدين بن يعيش على المفصل ( ص 1015 ) وشرح رضي الدين على الكافية ( 2 / 267 ) .